الملك محمد السادس يعيد رسم قواعد الشراكة مع مدريد: لا تعاون خارج معادلة السيادة وتكافؤ المصالح

لم يكن تناول الملك محمد السادس للعلاقات مع إسبانيا في الخطاب الملكي مجرد وقوف عند اختلالات تدبير ملف الهجرة، بل طرح، في جوهره، سؤالاً سياسياً يتعلق بمستقبل الشراكة بين البلدين. فالتأكيد على أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي يحمل دلالة تتجاوز حدود التعاون الثنائي، ليؤكد أن استمرارية العلاقات الاستراتيجية تقتضي مراجعة قواعدها كلما أظهرت التحولات أن صيغها القائمة لم تعد تستجيب لمصالح الطرفين. إنها دعوة إلى الانتقال من شراكة تحكمها ضرورات ظرفية إلى علاقة تستند إلى تفاهم متجدد بشأن الأولويات والمسؤوليات.
ويبرز ملف الهجرة باعتباره أحد أكثر المجالات تعبيراً عن هذه الإشكالية. فالتعاون في ضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن يظل محصوراً في المقاربة الأمنية، بمعزل عن الإطار المؤسساتي الذي ينظمه وعن كيفية توزيع أعبائه. ومن ثم، فإن تجاوز الاختلالات القائمة يستدعي مراجعة آليات التعاون وتطويرها، بما يجعل المسؤوليات أكثر وضوحاً والالتزامات أكثر توازناً. فنجاعة أي سياسة مشتركة لا تقاس فقط بنتائجها الآنية، بل أيضاً بقدرتها على الاستمرار من دون أن تتحول إلى مصدر دائم للتوتر بين الشركاء.
وتتجاوز أهمية هذه المراجعة ملف الهجرة إلى طبيعة الرؤية التي ستؤطر العلاقات المغربية الإسبانية في المرحلة المقبلة. فالموقع الجغرافي للبلدين، وتشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، يجعلان التعاون بينهما ضرورة استراتيجية، لكن هذه الضرورة لا تعني الجمود في آلياته أو الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها. المطلوب هو توسيع مجالات الشراكة لتشمل الاستثمار والتنمية والتنافسية والاستقرار الإقليمي، ضمن تصور مشترك يتيح للطرفين الانتقال من معالجة الملفات المنفصلة إلى بناء مصالح طويلة الأمد.
بهذا المعنى، لا يتمثل الرهان في إعادة تأكيد أهمية العلاقات مع مدريد، بل في تحديد النموذج القادر على ضمان استمراريتها. فالخطاب يفتح المجال أمام قراءة تعتبر أن متانة الشراكة لا تُقاس بكثرة الاتفاقات أو بحجم الالتزامات وحدهما، وإنما بقدرة الطرفين على تطوير قواعد تعاون تستوعب مصالحهما المتبادلة وتحولات محيطهما الاستراتيجي. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة المغربية الإسبانية سيظل مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل هذا الاستحقاق إلى مراجعة عملية تمنح الشراكة مضموناً أكثر توازناً وأفقاً أبعد من تدبير الأزمات.



