أبو بكر الجامعي وتكرار الأطروحة السياسية نفسها.. أين تنتهي القراءة النقدية وأين يبدأ الدليل؟

يطرح خطاب الصحفي المغربي السابق أبو بكر الجامعي سؤالا يستحق النقاش مفاده إلى أي حد يستند نقده للدولة المغربية إلى أدلة قابلة للتحقق، وإلى أي حد يعيد إنتاج إطار تفسيري ثابت يربط الأزمات السياسية والاجتماعية بطبيعة الملكية والمخزن والأجهزة الأمنية؟ لا يتعلق الأمر بمصادرة حقه في النقد، فهذا حق مشروع، وإنما بمساءلة الأدوات التي يبني بها استنتاجاته، ومدى التناسب بين قوة الادعاءات وقوة الأدلة المقدمة لإثباتها.
بالعودة إلى بعض كتاباته، نلاحظ حضور هذه الموضوعات منذ سنوات طويلة. ففي مقاله «Républicaniser la monarchie» سنة 2005، تناول العلاقة بين الملكية والديمقراطية والاختلالات السياسية والاجتماعية، ثم عاد في مقاله «La monarchie, tabou absolu de la presse marocaine» سنة 2013 إلى مسألة حدود حرية الصحافة وما اعتبره خطوطا حمراء مفروضة على الإعلام المغربي. وفي أكتوبر 2025، تناول احتجاجات جيل Z من زاوية التناقض بين صورة الإنجازات الوطنية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطنون. الملاحظة، هذه النصوص تكشف استمرارية في تناول نفس المواضيع. وحتى في حواراته على اليوتيوب، هناك دائما حديث عن نفس المواضيع وإن اختلف السياق والصياغة.
المشكلة تبدأ حين يتحول إطار تفسيري سياسي إلى مفتاح جاهز لفهم أحداث مختلفة، رغم أنه هو القائل، في آخر حوار له خصصه لقناة يوتيوبية “أنه لا يفهم طبيعة المخزن”، لكنه لا يتوارى في الحديث عنه. فوجود اختلالات في الصحة أو التعليم لا يثبت بمفرده أن سببها قرار صادر عن جهة سياسية بعينها، كما أن وقوع احتجاجات اجتماعية لا يثبت تلقائيا أنها مواجهة مباشرة بين المجتمع والملكية. وإذا كان الجامعي يربط بين هذه الوقائع وبنية النظام السياسي، فمن حق القارئ أو المشاهد أن يسأله عن الأدلة التي تثبت العلاقة السببية، وعن التفسيرات البديلة التي أخذها في الحسبان. فالتحليل السياسي لا يقاس بحدة عباراته، وإنما بقدرته على تفسير الوقائع وإثبات الروابط التي يفترضها.
أما التقارير الحقوقية التي يستند إليها الجامعي وغيره من “الطوابرية”، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكاما قضائية نهائية. فقد تقدم معلومات مهمة عن الإجراءات والوثائق والشهادات، لكن قيمتها تتوقف على نطاق التحقيق، والأطراف التي استمعت إليها، والأدلة التي راجعتها، وحدود الاستنتاجات التي تسمح بها تلك الأدلة. وإذا لم تستمع منظمة إلى جميع الأطراف أو المشتكيات في قضية جنائية مثلا، فلا يصح اعتبار تقريرها تحقيقا شاملا في صحة جميع الاتهامات. وفي الوقت نفسه، قد يظل التقرير مفيدا في تقييم ضمانات المحاكمة. ومن ثم، فإن الاستناد إليه لإثبات وجود توظيف سياسي للقضاء، في بعض الملفات مثلا، يتطلب توضيح الصلة بين ما وثقه فعلا والاستنتاج السياسي المراد إثباته.
وفي ما يتعلق باحتجاجات جيل Z، فإن المطالب المرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل والحكامة تستحق التحليل في ضوء المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والميزانيات العمومية. لكن تحويل هذه المطالب إلى دليل على أطروحة سياسية شاملة يتطلب خطوات إضافية، أي التمييز بين ما أعلنه المحتجون وما ينسبه إليهم المحللون، وتحديد المؤشرات التي تثبت وجود خلل مؤسساتي معين، ومقارنة التفسيرات الممكنة. فليس من الدقة اختزال الاحتجاجات في مواجهة مع الملكية، مثلما ليس من الدقة تجاهل أبعادها السياسية المحتملة. المعيار هو ما تثبته الوقائع، لا ما نرغب في أن تثبته.
إن الملاحظة النقدية الأساسية في خطاب الجامعي ليست تكرار اهتمامه بالملكية والمخزن، لأن ثبات الموقف السياسي ليس عيبا في ذاته، بل مدى تجدد الأدلة التي يقدمها لتأييد أطروحاته، ومدى استعداده لمراجعتها عندما تظهر وقائع جديدة. فإذا كانت كل أزمة تؤكد الفرضية نفسها، وكل متابعة قضائية تقرأ بوصفها توظيفا سياسيا، وكل احتجاج يفسر من خلال بنية النظام وحدها، يصبح من الضروري التساؤل عما يمكن أن يدفع صاحب هذه القراءة إلى مراجعتها. وهذه ليست مطالبة بالتخلي عن النقد، وإنما دعوة إلى جعله قابلا للاختبار، والتمييز فيه بين الوقائع الموثقة والاستنتاجات والتأويلات.
لا يحتاج الدفاع عن الدولة المغربية إلى رفض كل نقد يوجه إليها، كما لا يحتاج النقد السياسي إلى افتراض أن كل مؤسسة رسمية تعمل بدافع سياسي. ,إن كان من حق أبو بكر الجامعي أن ينتقد، فإن من حق القارئ والمشاهد أن يطالبه بالأدلة نفسها التي يطالب بها المؤسسات التي ينتقدها. فالمعيار ينبغي أن يكون واحدا للجميع، أي تحديد الادعاء، وإظهار الدليل، وفحص المصادر، وعدم تحويل الاستنتاج إلى حقيقة محسومة قبل إثباته. فالنقد الذي لا يقبل المساءلة عن أدلته يخاطر بأن يتحول من أداة لفهم الواقع إلى إطار مسبق يعيد تفسير الواقع وفق قناعاته.



